شداد محرم
Shaddad Muharram**طقوس القبور وصناعة الوهم: كيف يُعاد تشكيل الهوية في صعدة؟**
ما يُزرع اليوم في صعدة ليس طقسًا دينيًا عابرًا، ولا ممارسة روحية بريئة، بل مشروعٌ قسريٌّ متكامل يهدف إلى إعادة تشكيل الوعي اليمني على مقاس جماعة، لا على مقاس وطن. إنها محاولة منهجية لخلق هوية مشوّهة، تُلغى فيها شخصية اليمني الحر، ويُستبدل بها تابعٌ منزوع الإرادة، لا يرى أبعد من القبة، ولا يسمع سوى ما يُملى عليه باسم “القداسة”.
هذا المشروع لا يبدأ من السياسة، بل من الذاكرة، ولا ينتهي عند السلاح، بل يتسلل إلى العقل، حيث يُعاد تعريف التاريخ، وتُحرّف المفاهيم، ويُختزل الدين في طقوسٍ جامدة، تُفرض بالقوة، وتُحمى بالخوف، ويُعاقَب من يرفضها بالإقصاء أو التخوين أو السجن. إنها هندسة اجتماعية قسرية، تُراد بها صناعة إنسان مطيع، لا يسأل، ولا يعترض، ولا يرى نفسه مواطنًا، بل تابعًا في سلسلة طويلة من التبعية.
في صعدة، تُستدعى القبور لا بوصفها ذاكرة، بل كسلطة. تُرفع القباب لا احترامًا للتاريخ، بل كرمزٍ للهيمنة. يُراد لليمني أن ينحني أمام الحجر، بعد أن كان يقف شامخًا أمام الطغيان. وهنا تكمن الخطورة: حين تتحول الطقوس إلى أداة سياسية، يصبح الدين غطاءً للاستبداد، وتغدو القداسة سلاحًا لإخضاع الناس، لا لتحريرهم.
لكن التاريخ، مهما طال ليله، لا يخذل الشعوب. فالمشاريع التي تُبنى على القبور لا تصنع أوطانًا، لأنها تقوم على تقديس الماضي واغتيال الحاضر، وعلى إلغاء الإنسان لصالح الرمز، والعقل لصالح الخرافة. قد تنجح هذه المشاريع في خداع الناس زمنًا، وقد تفرض سطوتها بالقوة، لكنها في النهاية تصطدم بحقيقة واحدة: الشعوب لا تعيش إلى الأبد في الظل.
اليمن، الذي أنجب حضاراتٍ قبل أن تُبنى هذه القباب، لا يمكن اختزاله في طقسٍ مفروض، ولا في هويةٍ مستوردة. واليمني، مهما حُوصِر، يبقى ابن الأرض والحرية، لا ابن الخرافة والتابعية. ستسقط الأقنعة، لأن الوعي، وإن تأخر، لا يموت، ولأن الحرية، وإن كُبِتت، لا تُدفن.
#شداد_محرم
تعليقات
إرسال تعليق